هل مشقة الحج تجلب التيسير الفقهي؟
د. مسفر القحطاني
زوار : 1279  -   7/2/2007
 
 

اقترب موعد الحج لهذا العام، واقتربت معه الكثير من الملفات التي لا تُفتح إلا في الحج، ولا يتمّ مناقشتها إلا أثناء الموسم، ولعل من أهمها ما يتعلق ببعض الفتاوى، و مستجدّات الحج ونوازله الفقهية كأحكام الرمي قبل الزوال، وبعض محظورات الإحرام المعاصرة، والتقديم والتأخير في ترتيب بعض المناسك وغيرها من المسائل التي تزداد مع تطور الوسائل وتشابك الحياة المعاصرة.
وكما نلحظ التطوّر الكبير في خدمة الحجيج، واليُسر في بلوغ الحج والوصول إليه مهما بعُدت الشُقَّة. نلحظ كذلك التزايد المطّرد لأعداد الحجيج، وما ينجم عنه من تزاحم عنيف ومضايقة شديدة أثناء تأدية المناسك. مما أدّى إلى تغيّر اجتهاد كثير من العلماء والمفتين في كثير من المسائل، ومخالفة المشهور من المذاهب تخفيفاً على الناس من الضيق والحرج،
والعمل بفقه التيسير في أحكام الحج ونوازله المستجدّة.
وكم سيحصل للناس من شدّه وكرب، وربما موت وهلاك لو تمسّك أولئك الفقهاء بأقوال أئمتهم، أو أفتَوْا بها دون اعتبار لتغير الأحوال والظروف واختلاف الأزمنة والمجتمعات.
فرَمْي الجمار في أيام التشريق يبدأ من زوال الشمس حتى الغروب، وعلى رأي الجمهور من الفقهاء لا يجزئ الرمي بعد الغروب.. ومع ذلك اختار كثير من المحققين وجِهات الإفتاء، جواز الرمي ليلاً مراعاة للسّعة والتيسير على الحجاج من الشدّة والزحام.
ولعل الداعي يتأكد لمعاودة النظر في حكم الرمي قبل الزوال وخصوصاً للمتعجّل في اليوم الثاني من أيام التشريق؛ لما ترتب على الرمي بعد الزوال في السنوات الماضية من ضيق وحرج شديدين.
ولا يخفى أن القاعدة في أعمال الحج كما أنها قائمة على العمل بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في "خذوا عني مناسككم"، فإنها قائمة أيضاً على رفع الحرج واليسر كما في قوله عليه الصلاة والسلام: "افعل ولا حرج"، وقد أفتى بالجواز في هذه المسالة بعض الأئمة من التابعين، وهو مذهب الأحناف وقول بعض الفقهاء المعاصرين.
إن فقه التيسير لا يعني المروق من الدين، أو الانحلال والتفريط في العمل بأحكام الشرع الحنيف، بل هو منهج علمٍ، ومدرسة فقهٍ، وطريق فُتيا وحياةٍ أمثل للمسلمين.
فالتيسير ورفع الحرج عن المكلفين إذا لم يُصادم نصاً صريحاً أو إجماعاً معتَبَراً، وكان متفقاً مع أصول الشرع الكلية، ومقاصده العامة مراعياً تبدّل الأزمان والأماكن وتغيّر الظروف والأحوال؛ فهذا مما ينبغي العمل به، وجريان الفُتْيا عليه، فأزمان المحن والشدائد ليست كأزمان السعة والاستقرار، وأحوال الخائفين ليست كأحوال الآمنين، ومن وقع في ضرورةٍ أو حاجةٍ ليس حاله كحال من هو في السّعة والطمأنينة.
وهذا ما كان معروفاً من هديه -صلى الله عليه وسلم- ووصيته المتكررة لأصحابه:" يسّرا ولا تُعَسّرا وبشّرا ولا تُنفّرا": لهذا جاء في وصفه كما قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) يقول عمر بن إسحاق: " لمَنْ أدركت من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكثر لمن سبقني منهم فما رأيت قوماً أيسر سيرة ولا أقل تشدّداً منهم" وقال سفيان بن عيينة عن معمر: "إنما العلم أن تسمع بالرخصة من الثقة فأما التشديد فيحسنه كلّ أحد". والقاعدة الكبرى في الباب تنص على أن المشقة تجلب التيسير .. فهل مشقة الحج المعاصر تجلب التيسير في فقهنا المعاصر؟!

 
حاجة الجهات الخيريّة لمصرف(وفي سبيل الله)
 
المُراد بهذه المسألة:
تحتاج الجهات الخيرية ووجوه البر والدعوة إلى الله -عز وجل- إلى دعم مالي يحقق لها مقاصدها النافعة وأهدافها السامية في خدمة هذا الدين. وصدقات وتبرعات المحسنين قد لا تفي بسد الحاجات اللازمة لهم، ولا تكفي لتحقيق أهدافهم النبيلة، ومن هنا كثرت استفتاءات العاملين في هذه المجالات عن جواز دخولهم في مصرف ((وفي سبيل الله)) مع أن جمهور العلماء قصروه على الغزاة في سبيل الله عز وجل. فهل يجوز لهم أخذ الزكاة؛ نظراً لظروف عصرنا الحاضر التي ازدادت الحاجة إلى إقامة المشاريع الخيرية من مساجد وأربطة ودور للعلم مع قلة الموارد الداعمة لها في أكثر البلاد الإسلامية؟
الحكم الفقهي لهذه المسألة:
وهذه المسألة وإن كانت قد بحثت قديماً ولكن الحاجة إليها جعلتها من نوازل العصر التي تتطلب اجتهاداً جديداً لا يخرج عن مفهوم النص، ويتوافق مع مقاصد الشرع الحنيف. ولذلك قام المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بدراسة الموضوع ومناقشته، وظهر للعلماء المجتمعين في المسألة قولان:
((أحدهما: قصر معنى (( وفي سبيل الله )) في الآية على الغزاة في سبيل الله عز وجل.
وهذا رأي جمهور العلماء، وأصحاب هذا القول يريدون قصر نصيب(( وفي سبيل الله )) على المجاهدين الغزاة في سبيل الله عز وجل.
القول الثاني : إن سبيل الله شامل عام لكل طرق الخير، والمرافق العامة للمسلمين من بناء المساجد وصيانتها وبناء المدارس والرّبط، وفتح الطرق وبناء الجسور، وإعداد المؤن الحربية، وبث الدعاة، وغير ذلك من المرافق العامة مما ينفع الدين وينفع المسلمين.
وهذا قول قلة من المتقدمين، وقد ارتضاه واختاره كثير من المتأخرين.
وبعد تداول الرأي ومناقشة أدلة الفريقين قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
1- نظراً إلى أن القول الثاني قد قال به طائفة من علماء المسلمين، وأن له حظاً من النظر في بعض الآيات الكريمة، مثل قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى) (1).
ومن الأحاديث الشريفة مثل ما جاء في سنن أبي داود : أن رجلاً جعل ناقة في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم :(( اركبيها فإن الحج في سبيل الله )) (2).
2- ونظراً إلى أن القصد من الجهاد بالسلاح هو إعلاء كلمة الله تعالى، وأن إعلاء كلمة الله تعالى مما يكون بالقتال يكون ـ أيضاً ـ بالدعوة إلى الله ونشر دينه؛ بإعداد الدعاة، ودعمهم، ومساعدتهم على أداء مهمتهم فيكون كلا الأمرين جهاداً لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :(( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم )) (3) .
3- ونظراً إلى أن الإسلام محارب ـ بالغزو الفكري والعقدي ـ من الملاحدة واليهود والنصارى وسائر أعداء الدين، وأن لهؤلاء من يدعمهم الدعم المادي والمعنوي، فإنه يتعين على المسلمين أن يقابلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإسلام، وبما هو أنكى منه.
4- ونظراً إلى أن الحروب في البلاد الإسلامية أصبح لها وزارات خاصة بها ولها بنود مالية في ميزانية كل دولة، بخلاف الجهاد بالدعوة، فإنه لا يوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدة ولا عون.
لذلك كله فإن المجلس يقرر ـ بالأكثرية المطلقة ـ دخول الدعوة إلى الله تعالى، وما يعين عليها في معنى ( وفي سبيل الله ) في الآية الكريمة. هذا وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين )) (4).
وهذا الرأي الذي ذهب إليه المجمع الفقهي هو اختيار بعض الصحابة والتابعين وفقهاء المذاهب وكثير من المعاصرين(5) .
- تقرير الاستدلال على حكم هذه المسألة :
إن منشأ الخلاف في تخصيص مصرف (( وفي سبيل الله )) في الغزو والجهاد أو تعميمه في وجوه الخير وأنواع البر مبني على الخلاف في قاعدتين من قواعد الخلاف عند الأصوليين:
القاعدة الأولى :
(الفرد المضاف إلى معرفة هل يعتبر من صيغ العموم أم لا؟) (6) لقوله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) (7) فالنعمة لفظ مفرد مضاف إلى معرفة فيعم كل النعم، ومثله (( وفي سبيل الله )) في آية الصدقة فهو لفظ مفرد مضاف إلى معرفة فيعم كل سبل الخير، وهذه الصيغة من صيغ العموم.
قال بعمومها الإمام مالك وأحمد وأصحابه ـ رحمهم الله ـ تبعاً لعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس -رضي الله عنهم- كقولك : أدب ولدك وامرأتك يشمل جميع أولادك ونسائك.  وذهب الحنفية وبعض الشافعية إلى عدم عموم هذه الصيغة.
القاعدة الثانية :
(هل يخص العام بمقصوده أو يحمل على عموم لفظه ) ؟ (8).
ذهب الجمهور إلى أن العام لا يخص بمقصوده بل يحمل على عموم لفظه، وقال المالكية يقصر العام على مقصوده، كقوله تعالى : "أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ "(9)فالملامسة تشمل اللمس بشهوة وبدون شهوة، ومن خص العام بمقصوده قال: إن المتبادر من لمس النساء وما يقصد منهن غالباً من الشهوة، ومن لم يخصه به عممه في الاثنين . ومثله (( وفي سبيل الله )) في آية الصدقة فمن قال يخص العام بمقصوده كالمالكية قصره على الغزو فقط وألحق به الحج والعمرة ، ومن قال لا يخص بعمومه وهم الجمهور خرج على مذهبهم هذا أن ((وفي سبيل الله)) عام يشمل كل أمور الخير من الغزو والحج والدعوة إلى الله ومتعلقاتها ومرافقها.
وعلى هذا يمكن أن يكون اختلاف بعض الفقهاء في اعتبار تلك القواعد سبباً في نشوء الخلاف في توسيع مصرف (( وفي سبيل الله )) أو تضييقه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة :آية 262 .
(2) رواه أبو داود في سننه في كتاب الحج ، باب العمرة رقمه (1982) 2 / 517 ، ورواه الحاكم في المستدرك وصححه برقم (1774) 1 / 656 ، ووافقه الذهبي ، رواه ابن حجر في المطالب العالية 1 / 320 وقد وثق البوصيري رجاله .
(3) رواه النسائي في السنن في كتاب الجهاد ، باب وجوب الجهاد رقمه (3096)6 /314 ،ورواه أبو داود في السنن ، كتاب الجهاد باب كراهية ترك الغزو ، رقمه ( 2496) 3 / 214 ، ورواه الدارمي في سننه في كتاب الجهاد ، باب جهاد المشركين باللسان واليد رقمه ( 2431) 2 / 280 وصححه الحاكم في المستدرك ووافقه الذهبي رقمه(2427) 2 / 91 .
(4) قرار المجمع الفقهي بدورته الثامنة المنعقدة بمكة المكرمة في 27 ربيع الآخر 1405هـ .
(5) انظر : المغني 4 / 125 ، وقد حكي هذا القول عن أنس بن مالك والحسن البصري؛ بدائع الصنائع 2 / 46 ؛ الأموال للقاسم بن سلام ص 758 رقم (2819) ؛ تفسير القاسمي 8 / 154 ؛ نيل المآرب 1 / 405 ؛ فقه السنة لسيد سابق 1 / 333 ؛ فتاوى شرعية لحسنين مخلوف 1 / 255 ؛ فتاوى محمد بن إبراهيم 4 / 142 ؛ فقه الزكاة للقرضاوي 1 / 657 ؛ الاقتصاد الإسلامي والقضايا المعاصرة 2 / 701 ؛ الإسلام عقيدة وشرعية لمحمود شلتوت ص 105 ؛ مجلة البحوث الفقهية المعاصرة العدد ( 40 ) بحث د . سعود الفنيسان ( مصرف "وفي سبيل الله "بين العموم والخصوص ) ص 77-145 .
(6) انظر : شرح الكوكب المنير 3 / 136 ؛ المحلى على جمع الجوامع 1 / 413 ؛ نهاية السول 2 / 326 ؛ روضة الناظر 2 / 666 ؛ المستصفى 2 /
37 ؛ شرح تنقيح الفصول ص 180 ؛ البحر المحيط 3 / 108 .
(7) سورة النحل : آية : 18 .
(8) انظر : المسودة ص 132 ؛ شرح الكوكب المنير 3 / 389 ؛ القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام ص 193 ؛ بحث د . سعود الفنيسان ( مصرف وفي "سبيل الله "بين العموم والخصوص ) ص135 .
(9) سورة النساء : آية : 43 .

 

 

الإسم    
الدولة  
البريد الإلكتروني       
تقييم الموضوع  
التعليق    
رمز التفعيل


 
 
 

د. مسفر بن علي القحطاني