سؤال حائر ؟ ومشهد صامت ؟
د. مسفر القحطاني
زوار : 1336  -   20/12/2007
 
 

تساؤلات عدة تطرأ في ذهني حول عبادة الصيام قد لا أحسن الإجابة عليها وقد لا استطيع  أحيانا لكثرة الأسرار والغايات الدقيقة والعظيمة من تلك العبادة .. ربما يعود سبب عجزي في التعرف على أسرار ومقاصد الصيام مرور السنوات العديدة لأدائنا تلك العبادة والتي أصبحت عادة سنوية نتذكر منها أطعمة رمضان وجلسات السمر والمسلسلات والبرامج الفضائية التي همشت مقاصد الصيام وأثره على الإنسان.. ولعلي أبدأ بأول تلك التساؤلات عن سبب كون صيام رمضان الركن الرابع من أركان الإسلام التي لا يقوم الدين إلا بها مع أن تلك العبادة ليس فيها أداءٌ يُعمل أو واجبٌ يُمارس غير الكف والامتناع  عن تناول المباحات من الطعام والشراب والجماع بمعنى أنها ليست صلاة تؤدى يوميا وفق شروط وأوصاف معينة أو زكاة تنفق من مال المسلم أو حج يقصد فيه العديد من الشعائر البدنية .. الكف والامتناع هو عمل في اصطلاح الأصوليين ولكنه لا يرقى إلا مرتبة الأداء من حيث التصور المادي للأمور ومع ذلك يجعله الله من أجلّ العبادات كلها ويغفر للصائم ما تقدم من ذنبه والله قد تكفل للصوم بأجر لا مثيل له كما جاء في الحديث "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به " ..لا أشك أن للصوم حكم ومقاصد أعظم من الأمر الذي نفهمه من مجرد الامتناع من المباحات وهي التي جعلت ذلك الصيام من أعظم القربات عند الله ولكن في مقاصدها وليس في طبيعة أدائها .. ربما كان السبب في ظني أن رمضان هو الدورة التدريبية والتأهيلية لصحة الاستقامة والقيام بواجبات العبادة كلها وهي التي تحافظ على الإنسان من الإخلال بتلك الواجبات والأوامر.. ذلك أن الصوم عن المفطرات المباحة لنهار كامل ولمدة ثلاثين يوم يعطي للإنسان قوة في التحمل والصبر و ضبط الإرادة تزداد يوما بعد يوم , كما أن الصوم سر خفي بين العبد وربه لا يعلمه أحد ولا يتوثق منه أحد .. بهذين الأمرين  يجتمع للصائم قوتان قوة الإرادة وقوة المراقبة .. وهاتان القوتان هي ما نحتاجه في كل تفاصيل حياتنا حتى نحقق الإيمان بالله وإتباع أوامره .. فالإنسان إنما يقع في شرك الشيطان والهوى أما في لحظات ضعف في الإرادة أو لحظات ضعف في المراقبة .. لذلك شرع الله لنا تلك الدورة التدريبية لتطوير كفاءتنا في الدفاع عن إيماننا من شر الهوى والشيطان وهيأ لنا كل الظروف المحيطة لنجاح مقاصد تلك العبادة فأبواب النار مغلقة وأبواب الجنة مفتّحة والشياطين مصفدة والملائكة تنادي يا باغي الخير اقبل ويا باغي الشر اقصر بالإضافة إلى مكافآت نفسية يحصل عليها الصائم من الفرح عند فطره وعند لقاء ربه .
لذلك قال الله تعالى :" كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " ولا أظن التقوى تتحقق في نفس المؤمن من غير إرادة قوية لفعل الخير واجتناب الشر وقوة في المراقبة تستشعر الله في كل مكان وزمان .ومن عجيب التشريع الديني أن الزكاة والجهاد فرضا في رمضان ربما لأن بذل المال الغالي على النفس وبذل الروح من أجل الله تحتاج إلى قوة كبيرة من الإرادة و معيّة الله لعبده .
وأنا أكتب هذه السطور تذكرت قصة لشاب فرنسي قابلته قبل عامين في فرنسا , جاءني قبل أحد المحاضرات ليسألني عن بعض أمور دينه فاستحسنت الوقت لأساله عن سبب إسلامه فأخبرني أنه كان يعيش في حي يعمل فيه بعض المسلمين المغاربة فرآهم في أحد الأيام يعملون في الظهيرة ولا يتناولون أي طعام أو شراب ولا يطلبون شي من ذلك فسألهم عن سبب هذا الامتناع وهم في قمة التعب والعطش ؟  فأجابوه أنهم صائمون ولا يجوز لهم تناول أي طعام قبل غروب الشمس وذلك طيلة شهر رمضان  من كل عام .فاندهش من جوابهم ودارت في ذهنه الكثير من الأسئلة التي حاصرهم بها حول هذا الصيام , ولكنه لم يجد عندهم من الإجابة ما يشفي لهيب نفسه وفطرته ..يقول لي : لم استطع أن أنسى هذا الوضع الذي رأيته من  أولئك العمال فهم مع صيامهم يعملون طوال النهار , ويخضعون بكل انقياد واستسلام لذلك الأمر الديني .. حاول خالد البحث عن إجابة شافية لكل تساؤلاته الملحّة فلم يجد الإجابة الكافية لأسئلته الثائرة ؛ مما حفّزه للبحث عنها في الكتب التي تتحدث عن الإسلام وعن الصيام على وجه الخصوص , وبعد قراءة عدة كتب منها , وجد بعدها حاجةً في نفسه لا تقاوم , ورغبةً جامحة لا تساوم تدعوه للدخول في هذا الدين وإعلان إسلامه على الناس..
تعجبت كثيرا لما سمعت قصته وانبهاره العظيم من الصيام وبدأت أقارن بين نظرته للصيام ونظرتنا له ..فالعبادة واحدة وأحكامها ثابتة وهي ذاتها لم تتبدل بالأزمنة ولا بالأمكنة ..  ولكن كيف قلبت كيان هذا الشاب المسيحي الأعجمي وقادته لتغيير مساره في الحياة بينما لا نجد لكثير منا  هذا الأثر في حياته أو ذاك التهذيب في نفسه ونحن نصوم رمضان أعواما عديدة وأزمنة مديدة ؟؟
الصوم مشهد صامت لكنه مليء بالمعاني البالغة في الحكمة والمقاصد السامية فهل نعي ذلك في أيامنا الباقية؟

 

 

الإسم    
الدولة  
البريد الإلكتروني       
تقييم الموضوع  
التعليق    
رمز التفعيل


 
 
 

د.مسفر بن علي القحطاني