آفة التهميش
د. مسفر بن علي القحطاني
زوار : 1186  -   23/09/2009
 
 

التهميش المتعمد للأحياء هو بمثابة الموت البطيء لهم ، بل هو قتل لأهم مكامن الحياة في نفس الإنسان ، لا أجد أبشع ممن يمارس الإذلال والتهميش و التهوين و تقزيم الكبير بتحطيم بناء العلم في نفوس العلماء، و تهوين الرأي الصائب مقابل التفاهات الكلامية و تقديم السفيه على الخبير المتمكن ، صور قاتمة تمارس ضد الأفراد ، تحبط أي طموح ونهوض يراد له الخروج للعلن .
هذا التهميش على مستوى الأفراد ، ولم أتطرق لتهميش المجتمعات والثقافات الذي يشعل جمر الحقد تحت الرماد وينذر بالثورة وقت الرقاد .
ولأن الفرد المسلم والمواطن الصالح في مجتمعنا العربي يعاني من هذه الآفة ؛أجد من المهم التعليق على هذه الحالة الواقعية والمتكررة ، ولو بنفث الزفرات من الصدور المكبوتة المهمّشة ، وبث الأمل من جديد في النفوس المحبطة ، وتحصين الهمة من معاول الهدم والتحقير .
صور ومشاهد محزنة لشنق الأكفاء بأيديهم نراها في وسائل الإعلام على سبيل المثال، عندما تستضيف النجم الفضائي ليتحدث عن كل شي من أزمات مالية حتى أحكام الطلاق والحج ، والخبير المتمكن والعارف الموثوق متروك و مبعد بل ونجعله يتمعر كمدا لما يراه أو يسمعه من تخريف، و أحيانا تجد التمجيد الهائل من المسؤولين وليس الإعلاميين لفنان عرض لوحة أو قدم أغنية أو شارك بقصيدة في مقابل التهميش لمن أنجز كتابا نفيسا أو قدم اختراعا عظيما أو توصل لدواء ناجع ، ولا أطلب المكافأة مع الفنان فهذا أمر غير متحقق ، ولا حتى اللاعب أو الرسام أو الواعظ الجماهيري، ولكن إبراز النجاح دون تهميشه ، ورمي فتات الثناء على هؤلاء حتى لا نخسر حماسهم في الإبداع وإنتاج الحلول و السهر على احتياج الناس وهم نائمون .
أما عقدة الخبير الأجنبي فما زالت منذ عقود تحتل في نفوس الكثير من المتنفذين والإداريين  مصداقية وقبول مطلق ، بالرغم أن هناك وعلى بعد كيلو مترات من يقوم بدور هذا الخبير بكفاءة عالية و بأقل التكاليف ودون جلبه من وراء البحار ، في حين نجد مبدعيننا ومخترعينا في مجتمعات الخبراء المجلوبين من الغرب يُكرّمون ويُقدّمون ويُعترف بإنجازهم دون استحياء لكونهم غرباء عن بلادهم، والقائمة تطول في ذكر هؤلاء المهمّشون في الأوطان.
هذه الصور ليست كل الحكاية، و لن تنتهي أحداثها وصورها من المجتمع في القريب، بل هو مسلسل طويل يتنوع ويتطور بشكل مذهل ؛ كإنجاز تافه للمجتمعات المتخلفة . وأعتقد أن الدعوة لبقاء علمائنا في أبراجهم العاجية دعوة مقبولة مادام فيها الحفاظ على كيانهم الفكري من الإغتيال لو نزلوا من تلك الأبراج في لحظة من البراءة الخادعة .
 

 

 

الإسم    
الدولة  
البريد الإلكتروني       
تقييم الموضوع  
التعليق    
رمز التفعيل


 
 
 

د. سارة بنت عبدالمحسن