رؤية مقاصدية في مفهوم السياحة
د. مسفر بن علي القحطاني
زوار : 1199  -   23/09/2009
 
  السياحة في الخارج أو في الداخل أصبحت جزء رئيس من مصروف الأسرة السعودية وخيار لا بد منه في الإجازة الصيفية , ولم تعد من كماليات الأمور الحياتية بل اهتم بها الناس والمؤسسات حتى أصبحت حاجة ماسة لدى الناس ليس من خلال مفهوم الحاجة الشرعي بقدر ماهو تناول الناس لها كحاجة نفسية و اجتماعية وأسرية لا بد من إتيانها . و اعتقد ان المفهوم الشرعي للسياحة ملتبس كثيرا بسبب إسقاطات معينة على واقع بعض السائحين المخالفين أو ممارسات باذخة ومتمادية في تسويغ السياحة بلا ترشيد وتقنين . وحتى نناقش هذه المسالة ؛أجد أن علينا أن نبحث في معنى السياحة الشرعي كمفهوم له دلالاته الحكمية؛ ومن ثمّ قبوله أو رده ، ومن أجل هذا المراد أستخلص ما ذكره بعض الفقهاء والمفسرين في بيان مفهوم السياحة ؛ فقد ذكر بعض المفسرين أنها بمعنى السير في الأرض للاعتبار والتفكر وتعبد الله عز وجل ،كما في قوله سبحانه: (السَّائِحُونَ) الواردة في سورة التوبة جاء في تفسيرها: "هم الجائلون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته وما خلق من العبر والسياحة في اللغة أصلها الذهاب على وجه الأرض كما يسيح الماء، وهي مما يعين العبد على الطاعة لانقطاعه عن الخلق ولما يحصل له من الاعتبار بالتفكر في مخلوقات الله سبحانه" فتح القدير، للشوكاني (2/577).. وفي محاسن التأويل لجمال الدين القاسمي (5/512): "يجب حمل لفظ (السائحون) على معناه الظاهر الحقيقي، وهو السائرون الذاهبون في الديار لأجل الوقوف على الآثار توصلاً للعظة بها والاعتبار... باتعاظه بأحوال الناس واعتباره بأمورهم، واطلاعه في سياحته على الأسرار المكنونة، والحكم التي دبر الله بها أمر المخلوقات وأحكم بها صنع الكائنات. فمن وقف على سر الخالق زاد في تعظيمه وتقرب إليه بالطاعة والامتثال لأوامره ونواهيه، وليس بخافٍ ما وقع للأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين والأولياء والصالحين، من التنقلات والأسفار في القرى والأمصار، للنظر والاعتبار" . وعلى هذا فالسياحة ترد بمعنى التفكر في ملكوت الله سواء اقترن بذلك السير في الأرض – وهو أبلغ – أو لم يقترن به. والسير في الأرض للاعتبار على نوعين: النوع الأول: سير في الأرض للنظر في آثار الهالكين من الأمم السابقة وكيف كان عاقبة أمرهم لما كذبوا الرسل وأعرضوا عن الحق وصدوا عن دين الله وكفروا به. ومنه قول الحق سبحانه: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (الروم:9). النوع الثاني: سير في الأرض للنظر والتفكر في بديع صنع الله تعالى وكيفية بدء الخلق، والتأمل في آيات الله وسننه الكونية كاختلاف الألسنة والألوان وإنبات الزرع وإدرار الضرع وإخراج الحي من الميت وغير ذلك. ومنه قوله سبحانه: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت:20). قال الإمام الغزالي رحمه الله: "فمن يسر الله له هذا السفر لم يزل في سيره متنزهاً في جنة عرضها السماوات والأرض وهو ساكن بالبدن مستقر في الوطن، وهو السفر الذي لا تضيق فيه المناهل والموارد ولا يضر فيه التزاحم والتوارد بل تزيد بكثرة المسافرين غنائمه وتتضاعف ثمراته وفوائده، فغنائمه دائمة غير ممنوعة وثمراته متزايدة غير مقطوعة إلا إذا بدا للمسافر فترة في سفره ووقفة في حركته فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" إحياء علوم الدين (2/244-245). فهذه السياحة من المقاصد التكميلية التي دعت إليها الشريعة الإسلامية لما تؤدي إليه من تعميق معرفة الله تعالى في النفوس كما في قوله سبحانه: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) (الحج: من الآية46). ولا شك أن هذا السير يوسع مدارك الإنسان وآفاقه ليفكر ويتدبر في عظمة الله وقدرته وآياته البينات، كما أن فيه نوعاً من الاتعاظ والاعتبار، فالحاج مثلاً إذا رأى الكعبة وتأمل عظمة الله في حمايتها وتذكر ما حل بأصحاب الفيل فيكون قد حقق هذه السياحة بنوعيها. قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) (الفيل:1- 5). الثالث: السياحة بمعنى السير في الأرض للمطلوب الشرعي والبحث عنه، عبادة لله وقربى لديه: وذلك كالسفر للحج وزيارة المساجد الثلاثة ونحو ذلك. وفسر عكرمه قوله سبحانه: (السَّائِحُونَ) بالمسافرين لطلب الحديث والعلم والسيوطي في الدر المنثور (7/549). وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: "فسرت السياحة بالصيام أو السياحة في طلب العلم، وفسرت بسياحة القلب في معرفة الله ومحبته، والإنابة إليه على الدوام والصحيح أن المراد بالسياحة: السفر في القربات كالحج، والعمرة، والجهات، وطلب العلم، وصلة الأقارب ونحو ذلك" تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تحقيق: عبد الرحمن اللويحق (ص353). ولذلك كل ما يعين على عبادة الله تعالى ويصلح فكر الإنسان ويوسع مداركه لمعرفة نواميس الخلق وواجبات الحق كان مطلوبا من جهة تكميل مقاصد الشرع في حفظ الدين والعقل . بل هي مقاصد تحسينية في نفسها عائدة لغيرها من الضروريات والحاجيات بالدعم والتأييد . أما ما يكتنف هذا الأصل من مخالفات شرعية عند بعض السائحين من تضييع الأموال والأولاد فهذا ممنوع مؤدي لفساد الدين والمال بالأصالة . أما ما يحصل للمسافر في سياحته من رؤية لمظاهر الفساد والإنحراف فينبغي ان يكون داعي له للمحافظة والإخلاص والبعد عن تلك الأماكن الموبؤة والحرص على انتقاء الظروف والأماكن المحمودة تحقيقا وتمحيصا لنيته من الزلل في الأهواء والملذات المحرمة . والله أسأل أن يعصمنا من الخطأ والزلل ويلهمنا الرشد والصواب والسداد .
 

 

الإسم    
الدولة  
البريد الإلكتروني       
تقييم الموضوع  
التعليق    
رمز التفعيل


 
 
 

د. مسفر بن علي القحطاني