الفقيه الفيلسوف .. بعيدا عن تهافت التأويل إلى محاولة التنزيل
مسفر بن علي القحطاني
زوار : 1412  -   8/3/2010
 
  برزت في تاريخنا الإسلامي نماذج معينة من علماء المسلمين الذي جمعوا بين الفقه والفلسفة ،باعتبار أن الفقه هو العلم الشرعي المنّزل ،والفلسفة هي علوم البرهان العقلي المجرّد ، ولم يحدث الجدل بين تلك العلوم إلا بعد الترجمة الواسعة التي ساهمت سلطة الخليفة العباسي المأمون في ذيوعها وانتشارها وافتراض التعارض بينها وبين الوحي المنزّل ، وكانت الفلسفة اليونانية القديمة هي النتاج الأحدث والأقوى لعلماء الترجمة في ذلك العصر ، ومع الإعجاب الشديد لهذا الجديد المعرفي ، كانت الحاجة وظروف المكان والزمان قائمة للتوفيق بين الشريعة والفلسفة ، وهذا ما أوجد عددا من المشروعات التأويلية والتوفيقية ،كما فعل ابن سينا والفارابي وابن باجه في قضايا المجتمع والسياسة ، و أبو بكر الرازي وأبو سليمان السجستاني والكندي في مسائل الطب والطبيعة ، ومع جودة التطوير الذي قاموا به واستكمالهم لعدد من المشروعات اليونانية الناقصة والخاطئة ؛ إلا أن جنوحا كبيرا عن الشريعة قد خالفوا فيه إجماع المسلمين . فقد كان حجم النازلة الفلسفية في مجتمعات المسلمين كبيرا و مؤثرا ، خصوصا بين العلماء والأمراء ، وهو ما جعل الإمام الغزالي الفقيه الفيلسوف ، وهو حجة الإسلام كما يصفه معاصروه ؛ أن ينبري لهذا الأمر ويتصدى له ، وقد قام بتجربة منهجية لفحص مقولات الفلاسفة من خلال كتبهم والنظر المباشر لأقوالهم دون الاعتماد على النقلة والناقدين، واستفرغ وسعه وأطال في النظر ، حتى كاد ينزلق فيما أراد التنبيه منه ، ثم عاود الكرة في الرد عليهم لا من باب التوفيق والجمع ؛ بل من خلال التحذير والقمع لآرائهم والمتفلسفين على نهجهم ورؤاهم ، خاصة في كتابه المشهور "تهافت الفلاسفة"، وقد ذكر الإمام الغزالي "أن بعض معاصريه قد أعرضوا عن العبادات الدينية، واستهانوا بحدود الشرع، وأهملوا شعائره، بل خرجوا بالكلية عن العقائد الدينية دون أن يكون لديهم برهان يقيني أو بحث نظري، وإنما كان مدار كفرهم سماعهم أسماء هائلة، كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس، وأمثالهم". ولم يكتفي الإمام الغزالي في "تهافت الفلاسفة"، بالهجوم على الفلاسفة اليونانيين وكذلك من تبعهم من فلاسفة المسلمين، خاصة الفارابي وابن سينا، بل نصب الحجج والدلائل في مخالفته لهم في عشرين مسألة، وحكم عليهم بالبدعة في سبع عشرة مسألة، وحكم عليهم بالكفر في ثلاث مسائل، وهي: قولهم بقدم العالم، وقولهم بأن الله لا يعلم الأشياء الجزئية، وإنكارهم بعث الأجساد وحشرها في الآخرة اكتفاء بالبعث الروحاني وحده. ومع خطورة الاعتراضات التي ذكرها الإمام الغزالي في معتقد الفلاسفة إلا أن الناظر في منجزات الفلاسفة المسلمين وتقدمهم المعرفي لا يمكن أن يغفل أن هناك دورا نهضويا قام به هؤلاء الفلاسفة في الطب والفلك والهندسة والرياضيات وغيرها من العلوم العقلانية والطبيعية ، وهذا ما يجعلني أتسأل باستغراب ،هل كانت الفلسفة سببا في جنوحهم الشرعي وفي ذات الوقت تقدمهم العلمي ؟! هل يمكن أن نرميهم بالزندقة والإبداع في آنٍ واحد ؟!. في اعتقادي أن المُشكِل المعرفي في تقويم هذا المشهد السجالي ؛لم يخلُ من تداخل المصالح الشخصية والحظوظ السياسية في الحكم على هؤلاء الفلاسفة بالفسق أوالتمرد على السلطة ( انظر:د.علي أومليل، السلطة الثقافية والسلطة السياسية) ، كما أن رسم الحدود بين المقبول والمردود من الفلسفة والمنطق لم يتضح ولم تتحدد معالمه ، وهذا ما جعل بعض الفلاسفة يقعون بين خيار القبول المطلق للفلسفة أو الرد المطلق لها ، وانعكس ذلك على نتاجهم المعرفي وردود أفعالهم الحادة تجاه خصومهم من الفقهاء أو الفلاسفة ، ولا نغفل أن المعجبين بالمنطق اليوناني لم يستفيقوا من لحظة الانبهار والتعرف الأولي والاستكشاف لتلك العلوم الحادثة ،كمنحى طبيعي في مسيرة العلوم قبل نضجها و وضوح معالمها . و لكن هذا لا يعفيهم عن القيام بمشروعات التوفيق والتأويل وردم الهوة بين الفرق المتخاصمة ، خصوصا بعدما استقرت تلك الفلسفات واتضحت مناطق النزاع بينها وبين علوم الشريعة . وفي ظل هذا الخصام بين الفقهاء والفلاسفة ، برز الإمام ابن رشد الحفيد الفقيه والفيلسوف المالكي في توضيح المبادئ التي يجب معرفتها للتوفيق بين الدين والفلسفة ، واختط لنفسها منهجا في إصلاح هذا الحال الذي عاشه واستوعب مفاصل النزاع فيه ، من خلال إقرار القضايا التالية: أولا: "أن الدين أو الشرع يوجب النظر العقلي أو الفلسفي، كما يوجب استعمال البرهان المنطقي لمعرفة الله تعالى وموجوداته" ، وقد ذكر ابن رشد آيات كثيرة من القرآن الكريم تدعو إلى التفكر والتدبر، منها على سبيل المثال: "فاعتبروا يا أولي الأبصار"، "أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء"، وصرح ابن رشد بأن الاعتبار ليس إلا استنباط المجهول من المعلوم، وهو القياس العقلي أو الشرعي والعقلي معا، ورد على من قالوا بأن الفلسفة تؤدي إلى الكفر بأن السبب ليس هو الفلسفة، ولكن من يتناول الفلسفة، وضرب مثلا على ذلك بمن يموت بسبب شرقة الماء، فليس الماء هو الذي سبب الوفاة، ولكن حدوث أمر عارض عند شربه هو الذي أدى إلى الوفاة. وثانيا: أن الشرع فيه ظاهر وباطن، ويقرر ابن رشد أن نصوص الشرع لها معنى جلي قريب وواضح، وأيضا لها معنى خفي، أو بعبارة أخرى لها معنى ظاهر ومعنى باطن.ولكن ليس كما يقول باطنية الاسماعيلية ومن وافقهم. وثالثا أن التأويل ضروري للتوفيق بين الشريعة والفكر أو بين الدين والفلسفة ، فإذا كان الدين يوجب النظر العقلي أو الفلسفي، فإنه من الواجب أن نلتمس تأويل ما لا يتفق معه من النصوص ذات الدلالة الظنية في معناها .ولقد صرح ابن رشد بأن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع فإن هذا الظاهر يقبل التأويل حتى لا يصطدم الشرع الصحيح بالعقل الصريح. هذا الجهد الذي قام به ابن رشد لا يستطيع القيام به إلا فقيه فيلسوف ،قد جمع علوم المنقول والمعقول ، وأدرك بحكمته جوامع المتفق عليه ، وحرر فواصل النزاع بين المختلفين ، وأنشأ من أجل ذلك مشاريعه العلمية ، ومن أبرزها " بداية المجتهد ونهاية المقتصد " في بيان أوجه الاتفاق والاختلاف بين المدارس الفقهية ، وردهم إلى الأصول الجامعة و المقاصد المرعية في الشرعية ، ثم قام بمشروعه الآخر " فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال " وكتابه " الكشف عن مناهج الأدلة " وفيها بيّن أوجه الخلاف والاتفاق بين المدارس الكلامية ، لهذا ما فتأ –رحمه الله- يكرر و يؤكد " أن الناس اضطربوا في هذا المعنى كل الاضطراب في الشريعة حتى حدثت فرق ضالة ، وأصناف مختلفة ، كل واحد منهم يرى أنه على الشريعة الأولى ، وأن من خالفه إما مبتدع ، وإما كافر مستباح الدم والمال ، وهذا كله عدول عن مقصد الشارع ، وسببه ما عرض لهم من الضلال عن فهم مقاصد الشريعة " (انظر:إدريس حمادي، إصلاح الفكر الديني من منظور ابن رشد) . وبحق نستطيع أن نقول أن تجربة ابن رشد كفقيه فيلسوف حققت نجاحا رائدا في التوفيق والتأويل بين الفقهاء والفلاسفة ، فميزة تجربته تكامل مشروعاتها التقريبية في ميادين الفقه والفلسفة ليس في نطاق عالمنا الإسلامي ؛ بل تم استلهامها لقرون في الكنيسة النصرانية كجامع بين الدين والمنطق ولكن من خلال شروحه لمنطق أرسطو التي تبنتها الكنيسة حتى عصر الأنوار . ويبقى سؤال آخر : هل ابن رشد كان الوحيد في بيان الموقف الشرعي في هذه الميادين ؟ وللجواب عن هذا التساؤل ،نحتاج إلى حرث تاريخي ومعرفي لتراثنا الإسلامي لإبراز عدد من التجارب التي لا تقل أهمية عما قام به ابن رشد ، ولعل أهمها في نظري ؛ الدور التوفيقي الذي قام به الإمام الشافعي في "رسالته" المشهورة فهو صاحب مدرسة فقهية وسماه الإمام أحمد فيلسوفا ، كذلك الإمام ابن تيمية في رده على غلاة الفلاسفة والمنطقيين ، ثم مشروعه الكبير في درء تعارض العقل والنقل ، ولا نغفل دور الأندلسيين كالإمام الفقيه الفيلسوف أبو محمد ابن حزم والإمام الشاطبي صاحب الموافقات ،كل هذه المشروعات هي بعضٌ من كل ، تحتاج إلى بيان واستفصال لمعرفة الدور الريادي في الصناعة المعرفية ، ولكن في عصرنا الحاضر قد لا نحتاج إلى التوفيق بين الفلسفة والفقه بالتأويل ، وذلك أن الخلاف لم يعد حاضرا في عصرنا كما كان في العصور السابقة ، فالجميع يقرر توافق الشرع والعقل ، ولكن ميدان التنزيل فارغ عن ممارسات ومشاريع عملية تؤكد هذا التوفيق وتطبق على الواقع سنن وقواعد الشرع وتجارب العقل ومكتشفاته في مجال الصناعات والمخترعات و الفنون الحديثة .
 

 

الإسم    
الدولة  
البريد الإلكتروني       
تقييم الموضوع  
التعليق    
رمز التفعيل


 
 
 

د. سارة بنت عبدالمحسن