مقاربات فكرية لترشيد الفعل الإصلاحي
الدكتور مسفر القحطاني
زوار : 1313  -   6/1/2012
 
  الإصلاح المدني حراك عملي يدفع نحو التغيير أيا كان مساره ، إذ هو فعلٌ يشتد تقدما نحو الأمام ويثير في العادة رغبة المفسدين للإنتقام ، و عند هذه النقطة من الألتقاء تبدأ ملاحم المواجهة ومعارك البقاء بين من يريد الإصلاح ومن يبغي الإستئثار بمنافع البغي وملذاته ، وحتى لا أغرق في مقدمات الفعل لإصلاحي التنظيرية ، أضع بين يدي القاريء بعض المفاهيم العملية التي تدفع بالفعل لإصلاحي نحو التقدم ،دون خوف العقبات ،و انتظار الكرامات، وعرقلة أصحاب الأهواء والنزوات ، أوردها في النقاط التالية : أولا :إن المجتمعات تنهض بتوافق كل مكوناتها حول أهداف استراتيجية عليا ،يتفق الجميع على إختلاف تنوعهم وتعددهم بضرورتها للتنمية والنهوض ، هذه الأهداف الكلية الرئيسة إذا كانت غامضة أو بيد السلطة العليا ومحجوبة عن غالبية المجتمع ،فإن هامشا عريضا من الأهداف الشخصية سيضعها كل فرد أو مؤسسة لتلبي ما يريده كل فرد حسب رغباته وميوله ، وبالتالي ستظهر في الميدان أهدافا متضاربة لا يجمعها عقد ولا ينسجم في مضمونها أحد ، وهذا الغياب للأهداف يبطء إن لم يعطّل حركة الإصلاح ،لأنها لا وجهة لها واضحة ، لذلك نلحظ شخصنة العمل التنفيذي بذات المسؤول حتى إذا خرج من منصبه أو انتهت مدته ،جاء بعده مسؤول آخر بخطط أخرى وعمل مغاير يتجه نحو إثبات الذات أكثر من الإسهام في الإصلاح، وهذا ما انعكس أيضا على تباين وشتات المشاريع والتناقض في البرامج التنموية، والمتأمل في المجتمعات الناهضة من كوارث مدمرة ،كيف استطاعت خلال سنوات قليلة أن تعيد قواها وتستجمع ذاتها للصعود أعلى مما كانت عليه ، ولعل في ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية أروع الأمثلة في ضرورة تحديد الأهداف أمام المجتمع بكل شفافية و وضوح ومسآلة عند التعثر أو الوقوف . ثانيا: ضرورة المعالجة العاجلة لإحتياجات المواطن العادي، ونزول المسؤولين إلى قاع المجتمع للبحث عن أسباب خلل الإنجاز والتعثر و وقوف الخدمات ، وكم يُحمّل المواطن وزر أخطاء المنفذين وهو شأنٌ لا يعنيه، فكأنما عليه أن يقيل عثراتهم وينتظر هباتهم كالمستجدي الضعيف ، وهذا الحال المقلوب الذي يرسخ العمل القبلي على المدني ، من أعظم أخطار الفساد في المجتمعات ، فالمواطن أنما يحصل على حقه المقرر شرعا ونظاما بصفة المواطنة، وبالتالي يُسآءل كل من تخلف عن خدمته وتحسين حياته و ظروفه المالية والصحية والتعليمية وغيرها ، و المسؤول أينما كان موقعه في الهرم التنظيمي هو خادم منفذ لما استرعاه الله من أمانة . ثالثا: ضرورة الشفافية أمام المواطن بأوجه الخلل والنقص والقصور ، و محاولة وضع المواطن أمام الخيارات الأصلح له ، بمعنى أن تتم عملية التقويم لأداء المؤسسات الخدماتية و المرافق الحكومية ، والقطاعات الأهلية التجارية بشكل دائم وصادق،ليعرف المواطن الخيار الأصلح والأنسب له ، ويرتدع المقصر المخالف ، وتُخلق منافسة رشيدة تنعكس على رفاهية المواطن ، و هذه الشفافية لا تتحقق في أرض الواقع إلا بمساهمة الإعلام بمختلف ميادينه في خلقها ، و مؤسسات المجتمع المدني في تنظيمها وفق معايير إصلاحية وعادلة. رابعا : أن إحصاء الفساد والحديث الدائم عنه وتكرار الشكوى منه ، لا يجدي نفعا في الواقع مالم نملك رؤية واضحة للإصلاح ، فالإنشغال بالمطلوب عمله وتغييره ولو من خلال البدء بالدوائر الصغيرة التي يمكن للفرد العادي التأثير فيها ، هو أولى وأجدى من التذمر والشكوى ، ونشر المبادرات الناجحة و تشجيعها يستدعي تهافت الغير على القيام بها ، و الإنجاز مهما كان حجمه وصغر دائرته إلا أن له قوة في إغراء الآخرين بإنجاز مثله . خامسا: الفساد والسرقة من المال العام جريمة صامتة ، لكنها تدفع إلى جشع طاغي مستمر يصل قطعا إلى المِلك الخاص ، وإذا شعر الفرد بباقتراب اليد الطامعة من خبزه و قوت أهله ،فإن صمت تلك الجريمة يتحول إلى صراخ مدمر وثائر ،يدفع الصامتين إلى الثورة مهما كلف الأمر ،لأن مستقبلا حالما كان ينتظره قد تلاشى أمام طَرْق الفساد بابه ودخوله عليه ، حينها يكون الموت واقفا أحب إليه من أن يعيش مكلوما مهضوما لا حول ولا قوة له . وأغلب ما حصل من ثورات في العقدين الماضيين ،كان الرغيف فيها فتيل الثورة ومغير الأنظمة . سادسا: إن عجلة الإصلاح لا ينبغي أن تتوقف لأن وقوفها يعني التراجع إلى الوراء و بالتالي الشعور بالإحباط واليأس الذي يقضي على أمل الفرد في العيش الرغيد ، و موجات الإصلاح قد ترتفع وتنخفض حسب مؤشرات الواقع وتحدياته وأزماته ، وتصلب الحال المعيشي دون تغير والبقاء الراكد دون تطور إستسلاما لهيمنة الأزمة ، قد ينذر بالوقوع في أزمة أخطر وأشد ، ولا نجاة منها إلا بالبحث الدائم عن المخارج وتجديد الطروحات الإصلاحية و ضخ الدماء الفتية الجديدة داخل مؤسسات الدولة ،لتخلق من الأزمة شُعَلا من التطور والنمو ، ومن نظر في أهم المخترعات والمكتشفات العلمية الحديثة يجد بوضوح أنها خرجت من رحم الأزمات و انقلبت على الناس بالمسرات . سابعا: المجتمع الذي لا يهتم بالمعرفة و لا يُعنى بالثقافة ، هو مجتمع استهلاكي يبقى دائما عبء على وطنه ، ويكلّف أكثر مما يقدم ، ويستنفد موارده دون أن يجدد طاقته ، وهذا النزوع نحو الإستهلاك أضحى ميزة عالمية للإنسان المعاصر ، والإصلاح المدني قطعا سيتقاطع مع تلك الرغبات المحمومة نحو إشباع الذات من الملذات الإمتاعية، فالتوعية وحدها لا تكفي لذلك الإدمان الشرائي ؛ مالم تُشبع نفسه بنهم المعرفة و تُحبَّب إليه الثقافة وتُزرع في عقله منذ الصغر افكار العمل والإنتاج ، و في نفسه قيم البذل والإيثار . ثامنا : عندما يشعر المجتمع أن الأنظمة مخترقة ، وتفسيرها مزدوج ، و واضعها يبتغي مصلحة نفسه ، فإن إنهيارا خلقيا وقيميا يدفع بالمجتمع نحو شريعة الغاب ،بقانونها القاسي الذي لا يحيد عنه إلا الضعيف، و الذي يثبت نفسه بمنطق القوة والتغلب وليس بغلبة المنطق والحق ، وتصبح قيمة الناس بمقدار من يعرفون قهره للآخرين وتجاوزه للقوانيين ، و تتحول قيمة المجتمع ومعاييره إلى تقدير أصحاب المال والمنصب دون غيرهم من المؤثرين نفعا في العقول والسلوك، هذا الحال -هو ربما- أقصى صور الفساد التي يمكن أن يصل إليها مجتمع أرضي ، ولا يعقبها إلا الإنهيار ، مصداقا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم :" إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ الْحَدَّ عَلَى الْوَضِيعِ وَيَتْرُكُونَ الشَّرِيفَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ فَاطِمَةُ فَعَلَتْ ذَلِكَ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" ( صحيح البخاري رقم 6787).و البيان النبوي هنا شافي و وافي في حقيقة تلك السنة الإلهية التي أهلكت من قبلنا و دمرت مجتمعاتهم تلك الدرجة الفاحشة من الظلم و الإزدواجية و التمييز العنصري في القوانيين والأحكام . تاسعا: من المعلوم في الطبائع الإنسانية أن الفساد له غواية التأثير والانتشار ، وكذا الإصلاح ، ولا يبدأ الإصلاح إلا من رأس الهرم ، ولا ينجح إلا بثبات القاعدة ورسوخها في العمل الإصلاحي.ومعيار السلطة الراشدة هو القوة والأمانة ، ومعيار المجتمع الصالح هو البناء المعرفي والقيم السلوكية ، وهذه المعادلة الإصلاحية هي جناحي طائر الإقلاع التغييري ، فالسلطة منها البداية و فتيل الشرارة الأولى للعمل ،ولكن الفعل التقدمي لا يكون إلا من خلال دافعية المجتمع للنهوض ، لذا كان من الضروري في الإصلاح المراهنة في النجاح على حسن إعداد الأجيال القادمة ، وقد قال ابن عاشور رحمه الله :" أن المصلحين يهتمون بإصلاح جيلهم الحاضر ولا يهملون تأسيس أسس إصلاح الأجيال الآتية، إذ الأجيال كلها سواء في نظرهم الإصلاحي. وقد انتزع عمر بن الخطاب من قوله تعالى: "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ" (الحشر:10) دليلا على إبقاء أرض سواد العراق غير مقسومة بين الجيش الذي فتح العراق وجعلها خراجا لأهلها قصدا لدوام الرزق منها لمن سيجيء من المسلمين" ( التحرير والتنوير 29/199). هذه بعض التأملات العاجلة وباختصار أردت ذكرها ، ليتحمل القاريء تنزيلها وتفسيرها وفق ظروف مجتمعه وطبيعة دوره في العمل المدني ، و يبقى الرهان الحقيقي في استثمار الحراك المدني نحو إسعاد الفرد وتنمية مجتمعه ،فهو من أعظم الغايات التي تسعى لها غالب الحضارات ، يقول الإمام الشاطبي "وذلك أن الله تعالى لما اقتضت حكمته الأزلية سعادة الخلق في الأولى والآخرة، ناطها بأحكام معقولة التناسب، ورتب عليها مصالح كفيلة بذلك"(الموافقات 3/171 النسخة المحققة).
 

 

الإسم    
الدولة  
البريد الإلكتروني       
تقييم الموضوع  
التعليق    
رمز التفعيل


 
 
 

د. سارة بنت عبدالمحسن