تبيّئة المصطلحات المستوردة وتجسير الأفكار المشتركة في الفقه الإسلامي
د. مسفر بن علي القحطاني
زوار : 1018  -   11/8/2012
 
  في القرية الكونية المعاصرة تداخلت الأفكار والثقافات وتناقلت التجارب والأخبار بسرعة وسائل الاتصال والإعلام الحديثة ،ما أدى إلى بروز واضح لقوة الغالب المتمكن من هذه الوسائل في انتشار أفكاره وعاداته وحتى انماط حياته، وموقف المغلوب اليوم في كثير من مجتمعاتنا الإسلامية ليس الإنكفاء والخوف من السيطرة عليه ؛ بل يتجه نحو المزيد من فتح الأبواب والتماهي في الآخر بحثا عن المواكبة والشعور بالمحاكاة وبلوغ المشابهة والمشاكلة قدر المستطاع ولو في الخيال .
أمام هذه الحالة الواقعية تكمن عدة إشكالات فكرية وقيمية لهذا النوع من التفاعل الناعم بين الشعوب،تعود إلى أحادية التأثير والهيمنة في هذه المعركة، فلايوجد تبادل مكافئ أو تفاعل مساوي بين أطراف التأثير ،فالغرب مثلا بقوة مؤسساته الأممية وانتاجه المعرفي وهيمنته على وسائل الإعلام والتعليم بات من أهم أسباب التأثير الفكري والقيمي في العالم ،وبالتالي لن يبقى بقية العالم في موقف المتفرج ولن يستطيعوا – حتى لو حاولوا - مقاومة الإغراء في محاكاة النماذج الفنية والثقافية والتقنية والرياضية وغيرها،وهذا ما يجعل الإنموذج الغربي يتمدد وفق حالته المنتجة وخصوصيته الثقافية، كما يظهر إشكال آخر في منهجية التمييز والتصفية ومعرفة المقبول من المردود ، فالمنهجية هنا ضعيفة وإذا وجدت فهي غير واضحة لدى كثير من الأفراد وحتى المؤسسات المجتمعية في أكثر بلادنا العربية والإسلامية ، والنتيجة المتوقعة مع مرور الزمن وتمادي الأنموذج الغربي في عرض بعض منتجاته المصادمة للفطرة والسلوك السوي أن يحصل تهديد لهوية المجتمع وأسسه الثقافية وثوابته الدينية ما يؤدي إلى الذوبان في الآخر ، وأحيانا ؛كردة فعل ؛الرغبة بالإنكفاء والعزلة عن الآخر هروبا من مواجهة تلك المؤثرات الحضارية.
والموقف المطلوب في مواجهة هذه الحالة ليس إعلان التحذير والترهيب من تقليد الغرب بقدر ما نحتاج إلى رسم الخارطة الفكرية المعينة على فرز المقبول من المردود ،كما ينبغي تقديم منهجية معرفية تفكك الكتل والقوالب المستوردة و تنتقي منها ما ينفع ويصلح مع شحذ الذهن للانتاج الذاتي والتطوير والمساهمة في المنافسة بدلا من الوقوف في طوابير الانتظار والإستجداء الأعمى.
ولعلي في هذه النقاط أن أنقل التجربة الفقهية لبعض الحالات المشابهة لواقعنا اليوم وكيفية تعامل بعض الفقهاء معها كمحاولة لرصد معالم التوطين للأفكار المستوردة وتجسير المشترك بين معطيات الإنسانية على مختلف العصور .
أولا : إن الإقتباس من الآخر أيا كان لا إشكال شرعي فيه، مادام لم يصادم نصاً ولم يؤدِ إلى ضرر ومفسدة متحققة ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم" والغيلة هي جماع المرأة وهي ترضع ( انظر : شرح النووي على صحيح مسلم 16\10) فحال الروم والفرس كان معتبرا في تجويز الغيلة ، والإفادة من تجربتهم ساعد على الأخذ منهم في كل ما من شأنه النفع الخاص أو العام ، ويؤيد ذلك قبول النبي صلى الله عليه وسلم رأي سلمان الفارسي في حفر الخندق يوم هجوم الأحزاب وأنها فكرة فارسية لم يمنع من العمل بها، والأمم على مر العصور لا تزال تستلهم المعارف والتجارب من رصيدها الإنساني، ولكن من أهم وأعظم مجالات الاقتباس في دولة الخلافة الراشدة ما أحدثه عمر بن الخطاب من تطورات تنظيمية في اعمال الدولة، بإحداث نظام الدواوين المقتبس من الفرس ، وكانت لغة هذه الدواوين مثل ديوان الخراج والجند وغيرها تُكتب بلغة أهل الأقليم دون تعريب ،فأهل العراق يكتبون بالفارسية ، وأهل مصر يكتبون بالقبطية واليونانية ،وأهل الشام يكتبون بالرومية ، ولم تعرّب الدواوين إلا في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك عام 86 ه. فالإقتباس الحضاري الكامل والجزئي في شؤون الإدارة والحكم ،لم يكن أمرا مرفوضا في عصر كبار الصحابة؛ مادام يحقق مقاصد حفظ المال وضبط المصالح من الضياع والفساد ، وهذا النظام الإداري أقتبس بالكامل حتى لغته الأجنبية استمرت بالكتابة لأكثر من ستة عقود .وهذا يؤكد أن المجالات الدنيوية ما دام ثبت نفعها و صلُحت في التطبيق ولم يظهر منها صدام للشريعة ،فالعمل بها مطلوب تحقيقا لصلاح نظام المعاش وإصلاح المجتمع القائم عليه، وبناءً عليه يمكن اعتبار الاقتباس من النظم الديمقراطية في الحكم وإدارة شؤون البلاد أمرا جائزا لتحقيق العدالة ومنع الفساد ،كذلك بعض النظم والحلول الإقتصادية والمعرفية لكثير من المشكلات الإنسانية.
ثانيا: إن محاولة إستيراد كافة مفاهيم المنتج الغربي كالديمقراطية على سبيل المثال وما يتولد أو يؤسس عليها من حرية مطلقة وعقد اجتماعي و إبعاد كلي للحضور الديني ، يعتبر استنبات خاطيء في مناخ وبيئة مختلفة ، ما تلبث هذه النبتة ان تذبل ويذوي وهجها بعد ملامسة التراب المخالف لأصل وجودها ، فمفهوم الديمقراطية كمشروع نجاح للبلاد الأوروبية مرّ بعدة أطوار شهدتها تلك المجتمعات ،شملت تحولات عدة في ميادين التجارة والصناعة بالتالي تكوّنت مدن تحكمها الشركات والنقبات وساد التبادل التجاري القائم على مصلحة الفرد ،وتفككت الروابط الأسرية بفعل هذه التحولات من المجتمعات الزراعية إلى الصناعية ، ومن هنا خرج مفهوم المجتمع المدني كنتيجة طبيعية لتحولات قرنين من الزمان ،كان ممهدا لنشوء الدولة الديمقراطية ، بينما في مجتمعاتنا العربية فلاتزال دولة القبيلة تحكم شؤون المجتمع كمكون رئيس في بنيتها الثقافية، لذلك ينبغي عند استيراد أنموذج غربي كالديمقراطية أو المجتمع المدني أن ندرك أن هناك تطورات وتحولات ثقافية وسياسية ودينية واجتماعية تظافرت جميعها لتشكل هذا المفهوم أو قل هذا الإحتياج المدني ، عندئذ ندرك خطأ اعتقادنا أن التحول الديمقراطي يكفي في وجوده مجرد المطالبة به وتقديم التضحيات من أجله، دون أن نؤسس له مفاهيمه الخاصة بنا والمتسامحة مع ثقافتنا وهويتنا مثل تعميق مبدأ فصل السلطات وسيادة الأمة و حقوق الإنسان وغيرها ،يقول الدكتور محمد الجابري :" إن المرجعية الأوربية سواء كانت واقعا تاريخيا أو اجتهادات فكرية ، يجب أن تبقى مرجعيات استشارية لا غير . يجب أن لا تنقلب إلى (إنموذج سلف) يهيمن على الفكر ويوجّه الرؤية" ( انظر: كتابه في نقد الحاجة إلى الإصلاح 173).
والنماذج الفقهية تؤكد أن الإقتباس الحضاري الذي قام به عدد من المترجمين المسلمين كان له دوره في تبيئة وتوطين المفاهيم الأجنبية ، ومن يجعل حركة الترجمة أنها جهد المعتزلة في عهد المأمون وانها بداية الإنحراف والإلحاد في الأمة ،أعتقد أنه ابتعد عن الصواب، فالكمية الكبرى من تراجم الكتب اليونانية كان في عهد الخليفة المتوكل المقرّب لأهل الحديث والمبعد للمعتزلة ، وما قام به من ترجمة كانت أكثر بكثير مما قام به المأمون ( أنظر: جورج صليبا في كتابه العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوربية 34) ، فمشاريع الترجمة والاستيراد المعرفي قد شمل عدد من الجوانب السياسية التي تم تبيئتها او أسلمتها في الإحكام السلطانية على يد الماوردي وأبي يعلى وغيرهم ، والأعمال الفلسفية التي تم مناقشتها وتحويرها إلى كتب في المنطق والجدل و الحساب والجبر وغيرها على أيدي عدد من العلماء كان بعضهم فقيها كالخوارزمي والرازي وغيرهم.
ثالثا: التواصل المعرفي خصوصا في العلوم التي ما اعتادها العرب كانت محط إثارة لاهتمام العلماء وطلاب العلم ،وأصبح هناك إقبالا كبيرا في بعض البيئات الإسلامية على هذا النوع من العلوم المترجمة، فكانت نازلة فلسفية خافها الكثير من العلماء، وهو ما جعل الإمام الغزالي الفقيه الفيلسوف، وهو حجة الإسلام كما يصفه معاصروه، ينبري لهذا الأمر ويتصدى له، وقد قام بتجربة منهجية لفحص مقولات الفلاسفة من خلال كتبهم والنظر المباشر لأقوالهم من دون الاعتماد على النقلة والناقدين، وأطال في النظر، حتى كاد ينزلق في ما أراد التنبيه منه، ثم عاود الكرة في الرد عليهم لا من باب التوفيق والجمع، بل من خلال التحذير والقمع لآرائهم والمتفلسفين على نهجهم ورؤاهم، خاصة في كتابه المشهور «تهافت الفلاسفة»، وذكر الإمام الغزالي "أن بعض معاصريه قد أعرضوا عن العبادات الدينية، واستهانوا بحدود الشرع، وأهملوا شعائره، بل خرجوا بالكلية عن العقائد الدينية من دون أن يكون لديهم برهان يقيني أو بحث نظري، وإنما كان مدار كفرهم سماعهم أسماء هائلة، كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس، وأمثالهم"(تهافت الفلاسفة 38) .
ومع خطورة الاعتراضات التي ذكرها الإمام الغزالي في معتقد الفلاسفة إلا أن الناظر في منجزات الفلاسفة المسلمين وتقدمهم المعرفي لا يمكن أن يغفل أن هناك دوراً نهضوياً قام به هؤلاء الفلاسفة في الطب والفلك والهندسة والرياضيات وغيرها من العلوم العقلانية والطبيعية، وهذا ما يجعلني أتساءل باستغراب، هل كانت الفلسفة سبباً في جنوحهم الشرعي وفي الوقت نفسه تقدمهم العلمي؟! هل يمكن أن نرميهم بالزندقة والإبداع في آنٍ واحد؟!.
في اعتقادي أن المُشكِل المعرفي في تقويم هذا المشهد السجالي لم يخلُ من تداخل المصالح الشخصية والحظوظ السياسية في الحكم على هؤلاء الفلاسفة بالفسق أو بالتمرد على السلطة (أنظر: علي أومليل،السلطة الثقافية والسلطة السياسية 197-207)، كما أن رسم الحدود بين المقبول والمردود من الفلسفة والمنطق لم يتضح ولم تتحدد معالمه، وهذا ما جعل بعض الفلاسفة يقعون بين خيار القبول المطلق للفلسفة أو الرد المطلق لها، وانعكس ذلك على نتاجهم المعرفي وردود أفعالهم الحادة تجاه خصومهم من الفقهاء أو الفلاسفة،وفي ظل هذا الخصام بين الفقهاء والفلاسفة، برز الإمام ابن رشد الحفيد الفقيه والفيلسوف المالكي في توضيح المبادئ التي يجب معرفتها للتوفيق بين الدين والفلسفة، واختط لنفسه منهجاً في إصلاح هذه الحال التي عاشها واستوعب مفاصل النزاع فيه، من خلال التأكيد بأن الدين أو الشرع يوجب النظر العقلي أو الفلسفي، كما يوجب استعمال البرهان المنطقي لمعرفة الله تعالى وموجوداته، وقد ذكر ابن رشد آيات كثيرة من القرآن الكريم تدعو إلى التفكر والتدبر، وردّ على من قالوا بأن الفلسفة تؤدي إلى الكفر بأن السبب ليس الفلسفة، ولكن من يتناول الفلسفة، وضرب مثلاً على ذلك بمن يموت بسبب شرقة الماء، فليس الماء هو الذي سبب الوفاة، ولكن حدوث أمر عارض عند شربه هو الذي أدى إلى الوفاة.
كما أوضح أن الشرع فيه ظاهر وباطن،ليس على منحى الباطنيين المنحرفين،بل قصد أن نصوص الشرع لها معنى جلي قريب وواضح، وأيضاً لها معنى خفي، وبالتالي يظهر الاجتهاد العقلي في المعنى الخفي لكشف مراد الشرع منه ، ولم يغفل ابن رشد من العناية بالتأويل الضروري للتوفيق بين الشريعة والفكر أو بين الدين والفلسفة، وقد صرّح في أكثر من مقام ؛بأن كل ما أدى إليه البرهان الثابت وخالفه ظاهر الشرع فإن هذا الظاهر يقبل التأويل حتى لا يصطدم الشرع الصحيح بالعقل الصريح ، هذا المنحى التجسيري والتوطيني للمستورد العقلي الذي قام به ابن رشد سعى فيه لخدمة الشريعة ولم يرد نقضها ، وساهم في تقوية جوانب الاستدلال والبرهنة على أحكامها وليس على تعطيلها كما نزع إلى ذلك البعض في عصره ، ولكنهم اضحوا في عصرنا الحاضر جموعا غفيرة ، لهذا يبين خطر الخلط في تلك المعاني والمفاهيم عندما قال محذرا :"إن الناس اضطربوا في هذا المعنى كل الاضطراب في الشريعة حتى حدثت فرق ضالة، وأصناف مختلفة، كل واحد منهم يرى أنه على الشريعة الأولى، وأن من خالفه إما مبتدع، وإما كافر مستباح الدم والمال، وهذا كله عدول عن مقصد الشارع، وسببه ما عرض لهم من الضلال عن فهم مقاصد الشريعة" (انظر: إدريس حمادي في كتابه :إصلاح الفكر الديني من منظور ابن رشد 65)
وبحق نستطيع أن نقول أن تجربة ابن رشد كفقيه فيلسوف حققت نجاحاً رائداً في التوفيق والتأويل بين الفقهاء والفلاسفة، فميزة تجربته تكامل مشروعاتها التقريبية في ميادين الفقه والفلسفة ليس في نطاق عالمنا الإسلامي، بل تم استلهامها لقرون في الكنيسة كجامع بين الدين والمنطق ولكن من خلال شروحه لمنطق أرسطو التي تبنتها الكنيسة حتى عصر الأنوار ، لذلك يعتبر ابن رشد وغيره من العلماء المسلمين جسور تواصل بين شعوب الأرض ومنتجاتها المعرفية ،حريٌ بنا أن نحافظ على بنائها إذا لم نستطع أن نقيم صروحا على غرارها.
 

 

الإسم    
الدولة  
البريد الإلكتروني       
تقييم الموضوع  
التعليق    
رمز التفعيل


 
 
 

د. مسفر بن علي القحطاني